بعد فترة
ليست بقصيرة توقفت فيها عن الكتابة وهجرت خلالها المدونة قررت أن أزيح الغبار عنها
التي ظلت مهجورة وأدى ذلك إلى انخفاض عدد زوارها وقل قراءها وأعترف أنني قصرت في
رعايتها والاهتمام بها بسبب انشغالي في أمور الحياة، لكن وما أن سنحت لي الفرصة
قررت مباشرة كتابة موضوع جديد أقص فيه على القراء الكرام أحداث الوقائع التي
عايشتها وأسرتني لقرابة الثلاثة أسابيع كنت حينها مقيداً بأغلال اعتقدت للوهلة
الأولى أنها من نسج الخيال، لكن وما أن اتضحت الرؤية لي بعد زوال الضباب الذي كان
يخيم على حياتي حتى اكتشفت أن ما كنت أمر به ما هو إلا كيد كائد خبيث أراد لي
الهلاك عبر دس «السحر» لي بقصد إلحاق الأذى والضرر بي، محاولاً الانتقام مني لغرض
في نفسه المريضة.!
القرآن والسحر
قبل الخوض
في تفاصيل المشكلة وسرد أحداثها يجب علينا أن نعي جيداً أن «السحر» أمر واقع وحقيقة
لا جدال فيها ولا يمكن أن ينكرها عاقل أو مجنون، وقد ذكره الله تعالى في كتابه
الحكيم{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ
وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ
فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاً بِإِذْنِ
اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ}. سورة البقرة 102، كما
أن في الروايات والأحاديث تشير بشكل واضح وصريح إلى أن رسولنا الكريم صلى الله عليه
وسلم قد مسه السحر بفعل شخص من اليهود يدعى لبيد بن الأعصم، فعمل له سحراً في مشط
ومشاطه، كذلك هناك العديد من القصص التي يقشعر لها الأبدان حول ما يفعله السحرة
والمشعوذين من أعمال شيطانية ليضروا بها الآمنين.
بداية الحدث
الواقعة
كانت في بداية أكتوبر 2012 عندما شعرت أن تغييراً قد طرأ علي بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار، إذ
بت أميل إلى الانطواء على نفسي والجلوس منفرداً في غرفتي وسط الظلام الدامس وذرف
الدموع والامتناع عن تناول الطعام لقرابة 17 يوماً متتالية مع انخفاض واضح في وزني زاد عن 22 كجم واضطراب في ضربات القلب وشعوري بتوقف النبض في بعض الأحيان
وتعرضي لكثير من المشاكل الصحية الأخرى ومنها شعوري بتشنج أعصاب جسدي وعدم تمكني من
السيطرة على نفسي وسقوطي على الأرض دون أن أقوى على الحراك وهو الأمر الذي زاد من
إحباطي وجعلني استسلم وأتراجع عن فكرة مراجعة المستشفيات والأطباء الذين أجمعوا على
أن ما أعاني منه ليس عارض صحي إذ إنني كانت تؤكد كافة الفحوصات الطبية وتخطيط القلب
الذي كنت أجريه بصورة شبه يومية خلوي من أي مشكلة عضوية ونصحت حينها باللجوء إلى
استشاري نفسي متخصص وفعلت ما طلب مني وأكد حينها أنني لا أعاني من أي عارض نفسي وأن
المشكلة خارجة عن نطاق عمله والحل يكمن في الرقية
الشرعية.!
تاجر الرقية الشرعية
أخذت
بالنصيحة وتوجهت إلى أحد الرقات الذي قرأ علي الرقية الشرعية لأول مرة ونصحني
بإكمال العلاج مع راقً آخر يعرفه ويتقاضى مبلغ من المال نظير عمله، وتوجهت في اليوم
التالي إلى ذلك الراقي ذو اللحية الطويلة غير المشذبة والوجه المكفهر والعيون
الجاحظة التي كادت أن تخرج من محجريها، وتقاضى قبل دخولي عليه مبلغ 10 دنانير مقابل تذكرة الكشف وسألني عن الأعراض ليبدأ بعدها قراءة
آيات السحر وهو يعنفني بكلمات قاسية لا تصدر عن رجل دين بقدر بل مرتزق يريد التكسب
من الدين، وبعد ذلك كتب لي بورقة صغيرة «وصفة» طلب مني شراءها من الموظف على أن
أراجعه 15 مرة كل شهر بمعدل مره كل يومين وأدفع في كل مرة ذات المبلغ، وخرجت
لأستفسر من الموظف عن قيمة «الوصفة الشرعية» وبعد حسبه بسيطة وسريعة أجاب أن المبلغ
المطلوب هو 45 د.ك فخرجت دون أن أشتري منه شيئاً، وتذكرت ما كتبته في هذه المدونة
عن الرقاة واستغلالهم لحاجة بعض الناس لهم وتحديداً في الموضوع المنشور تحت عنوان
«الرقية الشرعية مهنة يتكسب منها
الأشقياء» والذي نشرته يوم الأربعاء الموافق 11 نوفمبر 2009 وتحدثت فيه بإسهاب عن الكثير من الحقائق حول المتاجرة بالدين بطرق
ملتوية وخبيثة.!
وللموت رائحة
مع مرور
الوقت بدأت أفقد الأمل و حالتي الصحية في اضطراب مستمر ونفسيتي تزداد تعقيداً وبت
أعد أيامي وأشعر وكأنني ألفظ أنفاسي الأخيرة، ومع حلول الليل كنت أشعر أن الرحيل قد
أزف وأن شمس النهار قد غربت وولت ولم يعد لي في هذه الدنيا الفانية شيئا، كل الحبال
تقلصت وتحولت إلى خيوط من نسج الخيال خاصة مع تزايد رائحة الموت التي كانت تهتك
ستار الوحدة والوحشة التي كنت أعيشها مع نفسي في ظل عدم وجود من يصدقني أو حتى من
يقبل أن يمد يد العون لي باستثناء بعض الأصدقاء المقربين وأخص بالذكر عبدالكريم
الحربي ومحمد جاسم الذين كانا لي خير عون وخير سند في تلك الأيام العصيبة، إذ كان
لهم فضلاً عظيماً في تحفيزي أن الساحر لا يفلح عمله وأن الله ينصر المظلوم على
الظالم، وبعد انقضاء 17 يوماً تجرعت فيها من كأس المنية الشيء الكثير، تذكرت رجلاً كنت
أحتفظ برقم هاتفة الجوال يدعى طالب الحسيني وهو إعلامي عراقي من أهل الزبير وهو من
الرقاة المعروفين بادرت بالاتصال به و شرح حالتي له وكانت إجابته مختصرة.. أخي
الحبيب أحجز تذكرتك وأحضر إلى البصرة في أسرع وقت ممكن.!
الكويت – الزبير
لم أنتظر
طويلاً وتوجهت بشكل مباشر إلى السفارة العراقية في الكويت، وطلبت الحصول على تأشيرة
دخول وقمت بحجز تذاكر السفر، وغادرت البلاد على متن خطوط الاتحاد الجوية لأحد رحالي
في مطار البصرة لأجد في استقبالي السيد طالب الحسيني «وهو هاشمي من نسل الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم» ترجل من مركبته الهمر مبتسماً ومرحباً بي، وبعد الترحيب
طلب مني أن أقص عليه المشكلة بكل تفاصيلها، وظل صامتاً إلى أن انتهيت من سرد
الأحداث كاملة، فكان جوابه في النهاية الآن سنتوجه إلى مطعم كباب عراقي وهو أول
خطوة في العلاج وستتبعها خطوات قادمة حتى ينفك عنك الأذى ويغدو الشر ويبطل السحر
وتعود إلى الكويت سالماً معافى بإذن الله.
دموع البصرة
بعد ذلك
قام بأخذي بجولة طويلة في محافظة البصرة ليطلعني على معالمها التاريخية وآثار
الحروب عليها وكيف تحولت من واحة خضراء مكتسية بالنخيل إلى أرض جرداء يخيم عليها
الحزن والأسى، أنهارها جفت وخضرتها أصفرت وشواهدها التاريخية اندثرت، وسآتي بمواضيع
قادمة وبصورة مفصلة عن هذه الرحلة في مواضيع قادمة مدعمة بعدد من الصور التي
التقطتها حينها تروي دموع البصرة، وما أن انتهينا من تلك الجولة حتى عدنا أدراجنا
إلى قضاء الزبير حيث يسكن هو وعائلته الصغيرة مع كلبه البوليسي «ملوح» الذي كان
يتفاهم معه باللغة الرومانية، وجلسنا إلى ساعات الفجر الأولى واستسلمنا مجبرين
للنوم بعد أن غلبنا النعاس.
قيمر بصراوي
في صباح
اليوم التالي، أدينا فريضة الصلاة، ثم تناولنا وجبة الإفطار والتي كانت عبارة عن
قيمر وعسل وصمون «بصراوي» مع الشاي الساخن، وبعد ذلك طلب مني الجلوس في زاوية
«المجلس» لبدء رحلة العلاج الفعلية، وأستل سيفاً كان معلقاً مع عصا غليظة وأخذ يرتل
القرآن ترتيلا ويصلي على النبي الأمي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ويضرب أنحاء
متفرقة من جسدي بالسيف تارة وبالعصا تارة أخرى، إلى أن وصل إلى إصبع قدمي الإبهام
فضربة ضربة خفيفة جداً لكنني انتفضت حينها وشعرت وكأن رصاصة قد اخترقت جسدي من شدة
الألم.!، وأعاد الكرة مرة أخرى وتكرر الألم ذاته مع محافظتي على الهدوء واستمر في
القراءة قرابة 15 دقيقة، لينهي بعدها أولى جولات العلاج ويطلب مني الاستعداد للخروج
إلى السوق لشراء حاجيات المنزل حينما ينتهون من إعداد وجبة الغداء على أن ندخل في
المرحلة الثانية من العلاج في اليوم التالي.
صومعة الحسيني
غابت شمس
ذلك اليوم ونحن لازلنا نصول ونجول في شوارع البصرة وقضاء الزبير وهو يروي لي عن
أحداث قد وقعت في وقت سابق من هذا العصر كان هو وكل سكان العراق حينها شهود عليها،
وما أن حل المساء حتى عدنا أدراجنا وجلسنا نتحدث في الشؤون العامة والخاصة وكل منا
يروي للآخر عن تفاصيل رحلته في بلاط صاحبة الجلالة، وأطلعني حينها على مكتبته
الصغيرة أو كما يحلو له أن يسميها «صومعة» والتي زارها العديد من الأدباء والشعراء
والنقاد ورجال السياسة والاقتصاد والإعلاميين والفنانين الذين دونوا في سجل زواره
كلمات ظلت خالدة والتقطوا معه صوراً علقها كشواهد تزين المكان، يعود إليها كلما
قاده الحنين إلى قراءة كتاب أو الاختلاء بنفسه مع ذكرياته بحلوها
ومرها.
معاناتي مع الشلل
في صباح
اليوم الثالث والذي كنا قد خططنا أن يكون يوماً مميزاً وضعنا له جدولاً مسبقاً
نبدأها بزيارة مقبرة الإمام الحسن البصري وزيارة ضريحه الذي يجاوره قبر مفسر
الأحلام الشهير محمد بن سيرين ويجاورهم الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، لكن عارضاً
صحياً مفاجئ تعرضت له حينها أدى إلى حدوث شلل تام في كافة أنحاء جسدي، لم أكن أقوى
على الحراك ولا أعلم ما الذي حدث وكيف أختل توازني بهذا الشكل بعد أن كنت استعدت
عافيتي، حدث غير متوقع أصابني، تم نقلي حينها إلى مستوصف الزبير الخاص وهناك تم
إجراء الفحوصات الطبية اللازمة لي، وقام الطبيب المعالج بتقديم نصيحة إلى السيد
طالب الحسيني بضرورة إعادتي إلى الكويت فوراً قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة في
الزبير.!، وذلك نظراً لفقداني السيطرة على كافة أعصاب جسدي وتوقف عمل العضلات مع
وجود مؤشر خطير إلى أن الضرر قد يكون في طريقة إلى عضلة
القلب.!
حزنً ساد ثم باد
الهدوء ساد
المكان، والوجوه المبتسمة اتشحت بالحزن والأسى، ونظرات اليأس بدأت تغزو أنظارهم
المتوجعة، ورغم ذلك كله كنت مبتسماً وصابراً وراضياً بقضاء الله وقدره، صابراً على
البلاء راضياً بكل ما قسمه الله لي، متيقناً أن الله عز شأنه وعلا قدره له حكمة في
مصابي هذا، ولم أكن قانطاً من رحمته ولا يائساً من كرمه وجوده وعطائه، فأخذ
«الحسيني» يدعو الله أن يرد كيد الساحر في نحره، وينصر الحق على الباطل، فيما أخذ
شقيقه الأصغر «أبو عمر» بتدليك قدماي ويداي بالزيت وهو يتلو القرآن وأستمر بي الحال
على هذا المنوال قرابة ثلاث ليال، لم أكن قادراً على تحريك أي طرف من أطراف جسدي
بما في ذلك أصابع يدي، وكان شقيقي «الحسيني» وزوجتيه وابنتيه وأصدقائه تلهج ألسنتهم
بالدعاء لي في السر والعلانية وأن يمن الله علي بالشفاء عاجلاً غير آجلاً، وقد لمست
حينها في طُهر قلوبهم وصدق نواياهم وحُسن أخلاقهم وكرمهم وعطفهم وحبهم الذي أغدقوا
به علي، ولم أكن أشعر أنني غريب بينهم بل كنت أشعر أنهم أفراد أسرتي التي تركتهم في
الكويت.
رؤية نبي الله داوود
وبعد ثلاث
أيام عجاف أكرمني الله بكرمه ومنّ علي بعطائه ويسر لي الأمور كلها وتمكنت من
استرجاع قواي التي فقدتها وتحركت يداي وقدماي وكأن شيئاً لم يكن، بعد رؤية خير
شاهدت فيها سيدنا داوود عليه السلام وهو يقف بجواري وسألته من أنت..؟ فأجابني
قائلاً: أنا داوود عليّ السلام. حمدت الله وشكرته وأثنيت على كرمه وسخائه وسجدت له
خاشعاً خاضعاً أحمده حمداً كثيرا على النعمة التي أنعم بها علي، وكيف كشف غمي وأزال
همي وأفرح قلبي..!
أجر العلاج
وهكذا حل
الله العقدة وجعل شفائي على يدي العبد الزاهد طالب الحسيني الذي رفض تقاضي فلساً
واحداً نظير استضافته وعلاجه لي رغم تكبده مبالغ مالية كبيرة خلال أسبوع من الزمان
كنت فيها أحل عليه ضيفاً، وقد طلب مني أجراً عظيماً وهو أنه يكتفي أن أدعو الله له
وهو أجره الذي لا يتقاضى سواه.!
المنتقم الجبار
قال تعالى
«إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى» صدق
الله العظيم، لقد كادوا لي وأرادوا قتلي بفعلتهم النكراء عبر اختيار أشد أنواع
السحر فتكاً وهو سحر المرض الذي يؤدي بالإنسان إلى حالتين لا ثالثة لهما إما أن
يعيش الإنسان عليلاً ويصبح مقعداً لا علاج له إلا بموت الساحر أو فك سحره، أو يموت
المسحور بسبب عدم قدرته على تناول الطعام..، لكن بفضل الله أولاً وأخيراً وهذا
الرجل الطيب «الحسيني» كتب الله لي عمراً جديداً، وأوكلت أمري للمنتقم الجبار
ليريني عجائب قدرته وقوته في رد كيد الكائدين في نحرهم وكشف أمرهم وانقلاب السحر
على الساحر، وفضح أمرهم وجعلهم يحيون حياة ضنكا.!
مسك الختام
في الختام
لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى كل أحبابي وأصحابي وإلى كل من ساندني ودعا
لي في السر والعلانية أن أتجاوز هذه المحنة وأخرج من حلق الضيق إلى أوسع
الطريق.
أحمد السلامي