السبت، 15 أغسطس 2026

الميرزا محمد.. مهندس العلاقة البريطانية مع المرجعية الشيعية

خلف إدارة العلاقة البريطانية مع المرجعية الشيعية في كربلاء والنجف برز اسم الميرزا محمد حسن محسن نائب القنصل البريطاني في كربلاء، وهو مهندس العلاقة وحلقة الوصل الرئيسية بين البريطانيين والمراجع الشيعية في العراق.

الميرزا محمد شيعي فارسي الأصل بحسب وصف الوثائق البريطانية، وعمل مبكراً مع الجهاز السياسي البريطاني في جمع المعلومات عن المجتمع المحلي والقبائل والشخصيات الدينية، وقد اعتمد عليه جون غوردون لوريمر المعتمد البريطاني في العراق على عمله ومعلوماته أثناء إعداد موسوعته عن الخليج خصوصاً فيما يتعلق بالقبائل العربية.

وفي عام 1903 قررت حكومة الهند البريطانية تعيينه نائباً للقنصل البريطاني في كربلاء، وهو منصب وضعه مباشرة في قلب العلاقة مع الحوزة والمجتهدين وربط مهامه أيضاً بالإشراف على ملف وقف أوده.

لاحقاً أصبح الميرزا محسن رئيس لجنة كربلاء للوقف، وتعامل بصورة مباشرة مع المراجع الشيعية، بينما تكشف تقارير لوريمر أن الإدارة البريطانية كانت تفحص المرشحين للدخول ضمن قائمة المجتهدين الموزعين للأموال وتراجع إجازاتهم العلمية كما تستشيره قبل إدخال الأسماء أو استبعادها.

 

الحلقة القادمة: وقف أوده عام 1825 م، ومن أين جاءت الأموال، ولماذا وصلت إلى مراجع ومجتهدي النجف وكربلاء، وكيف دخلت بريطانيا على خط إدارتها؟


وثيقة بريطانية مؤرخة في 15 نوفمبر 1913 تكشف تشكيل لجنة وقف أوده في كربلاء برئاسة الميرزا محمد حسن محسن نائب القنصل البريطاني وعضوية 7 من المجتهدين الموزعين للأموال وهم، علي التنكابني، محمد باقر البهبهاني، هادي الإصفهاني، محمد الكاشاني، مرتضى الحسيني، كلبي مهدي الهندي، وابن حسن الهندي.




 تكشف الوثيقة آلية أكثر عمقاً لإدارة وقف أوده، إذ كانت طلبات المجتهدين المرشحين لتوزيع أمواله تُراجع وتُفحص إجازاتهم العلمية، ولا يدرج أو يستبعد اسم إلا بعد استشارة نائب القنصل في كربلاء، كما يشيد لوريمر بدور محمد حسن محسن وتحقيقاته في أوضاع المستفيدين لضمان وصول الأموال إلى الفقراء والمحتاجين.



المرجعية والدعم الهندي البريطاني.!

 

سوف أقدم سلسلة من القراءات التاريخية خلال الأيام القادمة حول واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقة البريطانية مع المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء استناداً إلى وثائق بريطانية رسمية مؤرخة بين 1904 و 1914 ومحفوظة في المكتبة البريطانية، ومن أبرز من كتب تقارير هذا الملف «جون غوردون لوريمر J. G. Lorimer» الذي شغل منصب المقيم السياسي البريطاني في العراق العثماني والقنصل العام البريطاني في بغداد.

الوثائق تفتح أمامنا ملفاً متشابكاً من المال والدين والسياسة والنفوذ لمراجع ومجتهدون من أصول إيرانية وهندية وعثمانية والتمويل المالي الذي كانوا يتلقونه من «وقف أوده» الهندي، والذي كان تحت إدارة بريطانية تشرف على توزيعها وبرقابة مباشرة من الدولة العثمانية ومتابعة من الدولة الفارسية اللذين كانا يتنافسان على مراكز النفوذ في أهم مدينتين للمرجعية الشيعية.

 وسنقوم في الحلقات اللاحقة في كتابة تفاصيل شاملة عن هوية العلماء الذين دخلوا هذه المنظومة؟ من أين جاؤوا؟ من كان يختارهم؟ من حصل على الأموال وكم حصل؟ من تعاون مع البريطانيين ومن عارضهم؟ وكيف استخدمت شبكة العلاقات والمال في بناء النفوذ البريطاني داخل البيئة الدينية الشيعية؟ مهندس العلاقة وفي قلب هذه الشبكة يظهر رجل شيعي فارسي الأصل عمل نائباً للقنصل البريطاني في كربلاء وهو الميرزا محمد حسن محسن الذي كلف برئاسة لجنة كربلاء، وتعامل مباشرة مع المراجع الشيعية وشارك في تقييمهم ومتابعة نظام توزيع الأموال عليهم، وهو مهندس العلاقة البريطانية مع المرجعية الشيعية وحلقة الوصل التي أدارت جانباً مهماً من هذه الشبكة.

لهذا ستكون الحلقة القادمة عن الميرزا محمد حسن محسن، قبل أن نعود إلى سنة 1825 ونفتح قصة «وقف أوده» ومن أين جاءت الأموال التي وضعت بريطانيا في قلب هذه العلاقة، وكيف تحولت إلى ملف امتزج فيه العمل الخيري بالمصالح والنفوذ والصراع السياسي.

 

ملاحظة: الصورة المرفقة عبارة عن ملحق حسابي رسمي يبين بالتفصيل الأموال التي دفعت من «وقف أوده Oudh Bequest» في كربلاء والنجف خلال 1912–1913 ولمن خصصت.


الأحد، 9 أغسطس 2026

إيران وميناء المخا اليمني

 

من يسيطر على ميناء المخا والخط الساحلي الممتد جنوباً باتجاه ذباب وجزيرة ميون اليمنية سيكون قد وضع يده على واحدة من أهم مفاتيح التأثير العسكري في مضيق باب المندب، إذ أنهم يسعون إلى زيادة قدراتهم على مراقبة المضيق وتهديد حركة الملاحة فيه وفرض نطاق ناري على السفن العابرة.

الحرس الثوري الإيراني يدرك جيداً أن امتلاك القدرة على تعطيل مضيق هرمز وحده لا يمنح طهران كامل أوراق الضغط البحرية التي تبحث عنها، بينما وجود ذراع عسكري قادر على تهديد باب المندب بالتوازي مع هرمز يضع اثنين من أهم الممرات البحرية في المنطقة تحت دائرة التهديد الإيراني.

وبصفة عامة إيران لا تحتاج إلى إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب بصورة دائمة، وإنما يكفيها امتلاك القدرة على تهديدهما متى احتاجت إلى رفع كلفة المواجهة والضغط على خصومها.

 


الخميس، 6 أغسطس 2026

احتواء شيعة الخليج

 

خلال الأزمة الأخيرة برزت بعض الأصوات التي تضغط على المواطنين الشيعة لإثبات الولاء عبر نشر بيانات وإعلانات تجديد البيعة تصدر باسم الأسر الشيعية، وهذا النمط من الإرهاب الفكري يمثل خطأً إستراتيجياً إذ أن سياسات التخوين والضغط المضاد لا تخلق ولاءً بل تعمق شعور العزلة وتدفع نحو الانكفاء، والحل الحقيقي لا يكمن في التشكيك بالوطنية بل في الاحتواء الإستراتيجي الذكي.

المطلوب اليوم هو تحرك أمني ومؤسسي يهدف إلى تهيئة أرضية دينية خصبة تنشئ وتدعم مراجع شيعية محلية ذات ولاء تام للدولة، وبناء قاعدة أتباع لهم في الداخل والهدف هو قطع خطوط التبعية العقدية والسياسية الممتدة إلى مراكز النفوذ الخارجية في النجف وقم، وتحويل قبلة التكليف والولاء إلى الداخل السيادي.

هذه العملية ليست معقدة أو مستحيلة، لكنها تتطلب عملاً أمنياً وفكرياً منظماً لفك الارتباط التاريخي بالخارج، الكويت على سبيل المثال تمتلك بنية جاهزة بوجود مراجع شيعة كويتيين في الداخل، ولا ضير إطلاقاً في احتوائهم ودعمهم رسمياً وتمكينهم ليكونوا مراجع يلتف من حولهم شيعة الكويت، ليكون النواة الوطنية في تجريد الخارج من أهم أدوات نفوذه الفكري.

أحمد السلامي